السيد نعمة الله الجزائري

14

عقود المرجان في تفسير القرآن

صعدنا الجبل ، أصابنا فوقه مطر وهواء بارد ، وصار الصخر تزلق فيه الأقدام ولا يقدر يستمسك الراكب على الدابّة من الهواء البارد وشدّته والمطر . فشرعت أنا في قراءة آية الكرسيّ ، فليس أحد من أهل القافلة إلّا وقد سقط من الدابّة وأنا - بحمد اللّه - وصلت إلى المنزل سالما . فلمّا وصلنا المنزل كان فيه خان صغير وله حوش وليس فيه حجر . وإنّما فيه طوائل للدوابّ ومرابطها . فأدخلنا أعراضنا والكتب إلى طويلة ووضعنا فوق صفّتها . فاتّفق أنّ تلك الطوائل كان فيه أسماد كثير وقد عمد إليه بعض المتردّدين ووضع فيه النار لأجل أن يحترق ذلك السماد ، فما كان في تلك الطوائل إلّا الدخان الخانق ومطرت السماء فتحيّرنا بين المطر والدخان ، فكنّا نقبض على خياشمنا ، فإذا ضاقت أنفاسنا خرجنا من الطويلة إلى الحوش وتنفّسنا ورجعنا . فكنّا تلك اللّيلة وقوفا ليس لنا حاجة إلّا الخروج للتنفّس . ويا إخوان ما كان أطول تلك اللّيلة ! فلمّا أصبح الصباح وطلعت الشمس وخرجنا إلى الحوش وجاءنا أهل تلك القرية يبيعون علينا الخبز وغيره ، فأتت إلينا امرأة منهم وكان لها لحية طويلة نصفها بيضاء ونصفها سوداء فتعجّبنا منها . ثمّ إنّنا وصلنا إلى بعقوبا فأودعنا كتبنا وأعراضنا لأهل القافلة ومضينا نحن مع جماعة قليلة إلى سرّ من رأى . فلمّا عزلنا القافلة وسرنا فرسخا تقريبا ، لقينا رجل فقال لنا : إنّكم تمضون واللّصوص أمامكم في نهر الباشا . فتردّدنا في الرجوع والمضيّ ، فصار العزم على المضيّ . فلمّا وصلنا إلى ذلك النهر ، طلعت علينا خيولهم فعدوا علينا ، فقرأت آية الكرسيّ وأمرت أصحابي بقراءتها . فلمّا وصلوا إلينا ، انفردوا عنّا ناحية وكانوا يتفكّرون . فرأيناهم جاؤوا إلينا وقالوا لنا : قد ضللتم عن الطريق . وكان الحال كما قالوا . فأرسلوا معنا رجلا منهم وسار معنا إلى قرب المنزل وهو القازاني استقبلنا جماعة من سادات سرّ من رأى لأجل أن يأخذونا . وكان آخر اختيارنا من أرواحنا وأموالنا أوّل وقوعنا بأيديهم . وكانت عندنا دوابّ . فقالوا : ينبغي أن تركبوا دوابّنا لأجل الأجرة . فركبنا دوابّهم .